القاضي التنوخي

211

الفرج بعد الشدة

فقلت : يا أمير المؤمنين ، ادع اللّه لي . فقال : إنّ هذا الأمر صائر إليك ، فاعتضد باللّه ، واحفظني في ولدي ، فانتبهت وكأنّي أسمع كلامه لسرعة المنام . فوثقت بأنّني أتقلّد الخلافة ، وقويت نفسي ، وزال خوفي ، فقلت لغلام لم يكن معي في الحبس غيره ، إذا أصبحنا فامض فابتع لي خاتما ، وانقش على فصّه أحمد المعتضد باللّه ، [ 109 م ] وجئني به . فمضى ، وفعل ، وأتاني به ، فلبسته ، وقلت : إذا وليت الخلافة ، جعلت لقبي المعتضد باللّه . ثمّ أخذت أقطع ضيق صدري في الحبس ، بتصفّح أحوال الدنيا ، والفكر في تدبير عمارة الخراب منها ، ووجه فتح المنغلق ، وتعيين العمّال للنواحي ، والأمراء في البلاد . ثمّ أخذت رقعة ، فكتبت ، بدر : الحاجب ، عبيد اللّه بن سليمان ؛ الوزير ، فلان : أمير البلد الفلاني « 5 » ، فلان ؛ عامل البلد الفلاني « 6 » ؛ فلان : للديوان الفلاني ، إلى أن أتيت على ما في نفسي من ذلك ، ثمّ دفعتها للغلام ، وقلت له : احتفظ بهذه ، فإنّ دمي ودمك مرتهنان بما فيها ، فحفظها . فما مضى إلّا أيّام يسيرة ، حتّى لحقت الموفّق غشية ، لم يشكّ الغلمان معها أنّه قد مات [ 83 ر ] ، فأخرجوني ، فأتوا بي إلى بيت فيه الموفّق ، فلمّا رأيته علمت أنّه غير ميت ، فجلست عنده ، وأخذت يده أقبّلها وأترشّفها ، فأفاق ، فلمّا رآني أفعل ذلك ، أظهر التقبّل لي ، وأومأ إلى الغلمان ، أن قد أحسنتم فيما فعلتم .

--> ( 5 ) الأمير : راجع حاشية القصّة 73 من هذا الكتاب . ( 6 ) العامل : راجع حاشية القصّة 73 من هذا الكتاب .